وطني ليس حقيبة وأنا لست مسافر
محمود درويش
في ذلك اليوم الذي غدا أشبه بالطامة، وبعد ابتعاد الطائرات التي أفرغت حمولتها فوق رؤوسنا لمدة عشر ساعات متواصلة بالتناوب مع ضرب الصواريخ من مدفعية الجبل المطل على البلدة، تفقدنا أنفسنا ومن حولنا أننا مازلنا بخير جسدياً، عدا عن شظايا الخوف التي انغرست في قلوبنا، وقبيل غروب الشمس نزل أبي مسرعاً إلى السيارة التي ركنها في كراج المنزل ليتفقد ما بها من وقود وجاهزيتها للانطلاق. نادى على من في البيت جميعاً أن يصعدوا إلى السيارة لينطلق بهم إلى البلدة المجاورة، قبل أن تعود الغارات الجوية والمدافع بصب جام غضبها على البيوت بعد أن اقتحمت فصائل متعددة مستودعاً للذخيرة بالقرب من القرية.
كانت السيارة صغيرة لا تتسع إلا لأربعة أشخاص، ولكن كل من في المنزل صعد إليها خوفاً وهرباً من كارثة محتملة الحدوث حينما يحل المساء. وقفت كالصنم لا أعرف ماذا سأفعل، زوجي يحثني على الصعود والهرب معهم، أمي تنظر إليّ بعينين دامعتين، وأبي يناديني غاضباً لجمودي بلا حراك ويقول لي (هيا لم يعد معنا وقت اصعدي أنتِ والبنات وزوجك شاب بدبر حاله ويلحقنا). لم ألبّي نداء أبي وشجعته على المسير بلا انتظار فأنا لن أذهب معهم وسألحق بهم مع زوجي وأهله، والسبب أن السيارة الصغيرة وقد انحشروا داخلها، وكانت إحدى بناتي قد صعدت معهم وجلست في حضن أختي الوسطى، والأخرى قد حشرت نفسها والتصقت بالنافذة، والسبب الآخر هو أني لم أستطع التفكير بالنجاة وحدي دون زوجي وأهله، على الرغم من أن الحرب كيوم النشور، يفر المر من أخيه وأمه وأبيه. لم أستطع الفرار على الرغم من هول ذاك اليوم، فكيف له يوم البعث أن يكون؟
نزلت ابنتي وانضمت إلينا، ثم دار محرك السيارة ودارت الدنيا حولي وسارت بهم مسرعة وبقيت أتبعها بعيني وقلبي حتى اختفت عن ناظري. أحكمت قبضتي على أيدي بناتي، وتوجهنا إلى حيث التجأ أهل زوجي في حارة أخرى تبعد حوالي ثلاثة كيلومترات عن منزل أهلي.
كان سكان البلدة في حالة رعب واضطراب وهيجان، والأغلبية كانوا راغبين بالهروب خوفاً على أولادهم وأرواحهم.
هؤلاء يصعدون جراراً زراعياً وآخرون سيارة كبيرة لنقل الخضار، وغيرهم في باصات نقل صغيرة ولوحات الرعب مرسومة على وجوههم, وبكاء الأطفال والنساء يملأ المكان.
وقع ناظري على طفلة قد لُفت يدها بقماش أبيض وكانت تصرخ من الألم، يحملها والدها ويضعها في السيارة مع الكثير مع الفارين، قيل أنها جرحت عند محاولة شاب في مقتبل العمر ادخالها إلى الملجأ أثناء غارة جوية. أصيبت بيدها واستشهد الشاب الذي لم يمض على زفافه أسبوع واحد. وعلى بعد أمتار كان شابان يحملان بين ذراعيهما عجوزاً مقعدة أخرجوها من قبو المنزل ليضعوها في عربة الجرار الزراعي قبل أن تمتلئ بالناس.
تابعنا المسير وقلبي يخفق ألماً على هؤلاء الأبرياء الذين يدفعون ثمن حرب لم تكن بالحسبان. لن أتحدث كيف مضت تلك الليلة المرعبة، ولا كيف أمطرنا الجيش بالقذائف, ولا كيف كانت أمي تتصل بي كلما سمعت صوت انفجار، هدّأتُ من روعها بألا تقلق فكل شيء على ما يرام وأننا بخير ننتظر طلوع الفجر لنوظب أنفسنا وننطلق إليهم. لم نكن وحدنا بل مازال أكثر من نصف سكان البلدة في منازلهم أو باتوا ليلتهم في الأقبية, وسيسابقون الشمس في شروقها كي يغادروا ساحة الحرب بأمان مع أطفالهم.
البعض لا يملك سوى قدميه ليذهب بهما إلى الملاذ الوحيد المفتوح، بعد إغلاق جميع منافذ البلدة كي لا يتسلل المسلحون كما يصفوهم إلى مناطق أكثر أهمية لهم وأكثر حساسية لاختلاف الطائفة التي وضعوا خطاً أحمر للاقتراب منها منذ بداية الحرب، لتبقى الطائفة الأكبر هي المعرضة لكل أنواع البلاء, ولا أسف على مقتل العشرات منهم فالأهم أن ينتصر الفصيل المقاتل أمام مقاتلي الدولة أو أن يحدث العكس.
الفصل الأول من حكاية ألم سورية من كتاب حقيبة سفر بقلمي سهير المصطفى.
#يتبع....