JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
الصفحة الرئيسية

ذاكرة من ورق


انتصفَ الليل وأنا ممدٌ على سريري، أحدّق في ذلك السقف فوق رأسي، أراه بعيدًا تارةً وقريبًا يكاد يطبق على صدري تارةً أخرى.

نشبت عداوة بيني وبين الكرى منذ زمن، وكأنه يأبى أن يتصالح معي إلا بوسيط بيننا -أتناوله- ليدخل إلى جوفي على هيئة أقراص دواء والتي عزمت على ألا أتناولها الليلة، محاولاً أن أستجلب النوم دون واسطة لكني لم أجنِ سوى الأرق.

صوت العاصفة في الخارج كقرع طبول في حفلٍ شتوي لإحدى قبائل الهنود الحمر.

كنت قد أمضيت ساعات الليل الأولى في الكتابة وكنت كلما كتبت بضع صفحات أقوم بفصلها عن المذكرة، حتى تراكمت الأوراق على طاولتي.

رياحٌ قوية دخلت من النافذة التي تركتها مواربة، فتطايرت الستائر حتى كادت أن تلامس السقف، ورفرفت كجناحي طائر عملاق، تبعثرت الأوراق على الطاولة، لتتطاير في أرجاء الغرفة ومنها من حلق حولي وحط بقربي ومنها ما ارتطم بالجدران وتبعثر بين الأثاث.

بردٌ قارسٌ اعتراني واكتسح جسدي؛ فانكمشت على نفسي وتثاقلت همتي لأن أسحب الغطاء من تحت قدمي كي أتدثر به، وظلت نظراتي معلقة في السماء خارجاً أرقب الغيوم المتسارعة والقمر الذي يظهر خلسةً من بينها فيبدو لي وجهه العابس ووميضه الساخر.

ازدادت سرعة الرياح وكأنما دخلت كلها إلى غرفتي، مصطحبةً معها قطرات المطر التي بدأت تتساقط بغزارة من السماء، شعرتُ وكأنها ستخلع سريري وتقذف به إلى الخارج، تشبثت بوسادتي أكثر والأوراق من حولي تدور وتدور حتى باتت كثقب أسود يكاد أن يبتلعني.

ثم ما لبثت أن تجمعت أمامي بحركتها اللولبية حتى توقفت وتجسدت على هيئة امرأة، فركت عينيَّ غير مصدق ما أرى.

ظننت بأن مفعول الحبوب المنومة قد بدأ وجعلتني أهذي، لكنني سرعان ما تذكرت بأني لم أتناولها الليلة، وما أراه حقيقةً ليس سرابًا، حدّقتُ في وجهها أتأملها وأنا فاغر فاهي وعيناي فُتحت بأقصى اتساعها، توجست خيفةً منها حينما ابتسمت لي واقتربت مني.

قطرات العرق تصببت على جبيني وأحسست بأني سأفقد صوابي، حتى نطقت وقالت بصوت متعب: « لا تخف، هدئ من روعك »

نهضتُ بجسدي معتدلاً في جلستي، أرتقب ما قد تفعله بي، على الرغم من أن هيئتها لا توحي بقدرتها على جرّ نفسها، بالكاد كانت تمشي، اقتربتْ من سريري وجلستْ على طرفه وهي تتأملني بدورها.

تبدّل خوفي منها إلى شفقةٍ عليها حينما رأيتُ ندوبًا تملأ وجهها، عينيها الغائرتين في محجريهما وهالات سواد تزيدهما شحوبًا، ثيابها الممزقة وجرح غائر أعلى صدرها وكأنها خارجة للتو من معركة ما.

اقتربت منها لأسألها من أين أتت، ولماذا هي على هذه الحال، لكن جوابها أرعبني حتى طلبتُ منها أن تكرر ما تقوله:

_ «نعم أنا ذاكرتك..»

_«كيف ذلك؟، ما دليلك؟»

أجابتني وهي تزيح بقماش ثوبها عن جسدها:

_«ألا ترى هذه الندوب كلها، لقد أرهقتني بها وأذيتني حد الجنون.»

اعتدلتُ في جلستي والدهشة تعتريني غير مصدقٍ ما أسمع، أتأمل تلك الجروح الغائرة التي حُفرتْ في لحمها وشوهت جمالها، فاختصرت عليّ أسئلتي بحديثها عن كل ندبة:

_«هذه خيبة، وهذه كلمة جارحة

هذه صدمة من قريب وتلك خيانة من صديق»

_«وهذا الذي في أعلى صدرك وما يزال ينزف؟»

أجابتني ودموعها ملء عينيها:

_« هذا شوقٌ اعتراك ولم تقل،

حبٌّ سكن قلبك ولم يكتمل،

خذلانٌ غير متوقع أدمى المقل،

ردٌ جارح قسم ظهرك ولم تسأل،

دموعٌ حبستها بكبرياءٍ مفتعل»

_«يكفي هذا القدر..» قلتها وأنا أعتصر ألماً لما تقوله، لأني شعرت بكل ندبة تحدثت عنها وكأنها في جسدي أنا، واضعاً يدي على فمها كي لا تكمل.

ابتعدتُ عنها بعد برهة، معاودًا أسئلتي لها:

_«ومن أين خرجتِ؟»

_«من أوراقك التي أثقلتها بذكرياتك، والتي كتبتها بحبر جروح روحك النازفة.

إن زارك الألم مرة، كنت أنت تزوره في كل مرة، فترهقني أنا ولا يغادرك ويبقى محفورًا على جسدي بندبة لا تزول كما ترى .»

قلت لها حائرًا:

_«لكني كنت أعتقد بأني إن كتبت بما أشعر، فإني أحمِّل أوراقي بعضًا من همومي..»

_«اكتب ما يشفيني لا ما يضنيني.»

_«وهل في الكتابة ما يشفي الذاكرة؟»

_«بالتأكيد، إن كان ما يجعلك تتغلب على من خذلك وأهانك، حتى الأماكن التي غادرتها وبقيت عالقة ذكراها في نفسك، والأشخاص الذين عبروا في حياتك وطفولة عشتَها ومراهقة أبعدتك عن نيل مرادك...»

هززت برأسي منكرًا عليها ما تقوله:

_«لكنك تعلمين كل هذه الأشياء لا تعنيني بقدر ما يؤلمن ..ي ....»

قاطعتني قائلة:

_«خيبة أمل ممن أحببت وخذلان..

هذا ما ينزف في صدري حتى الآن، وأنت لا تساعدني لأشفى منه»

_«أنتِ تقودينني إلى الجنون، كفاكِ هراءً أنت ساحرة لست بذاكرة».

_« هل نطقت كذبًا، وتكلمت زيفاً؟»

_«حسناً، وما يشفيكِ إذن؟ أخبريني لأني بحاجة للشفاء أكثر منك.»

ابتسمت لي وسع شدقيها ثم نهضت وسارت نحو النافذة، فتحت ذراعيها للريح التي داعبت ثوبها المهترئ ورفرف على جسدها كموج هائج.

_«جروح الذاكرة لا تشفى يا صديقي، لا الزمن كفيل بهذا ولا النسيان، وأنا ذاكرتك المرهقة التي أثخنتها الجراح، لا الليل يداويني ولا الصباح.»

نهضتُ وتوجهتُ نحوها لكنها أوقفتني دون أن تلتفت نحوي:

_«لا تقترب مني، ابقَ بعيداً العاصفة في طريقها لاقتلاعي..»

ضوء البرق يتخطف الأبصار ويضيء الكون وكأنه نهار، وخيالها يرتسم على الجدران ويجعلها أضخم مما هي عليه، وبدأت الأوراق تخرج من جسدها وتملأ الغرفة حتى شعرت وكأني أسبح ببحر من ورق ولم أعد أرى تلك المرأة، ثم ما لبثت الأرض تدور بي، حتى أعياني الدوران وبدأت ألمح ناراً قد اشتعلت أمام النافذة وبدأت تلتهم جسدها، اعتراني الرعب والخوف وصرخت بصوتٍ مبحوح وكأنما تقطعت حبالي الصوتية، ارتفعتُ عاليًا وبتّ كورقة تدور مع باقي الأوراق ثم هويت بثقل جسدي على الأرض، آلمني الارتطام حتى صحوت وأشعة الشمس تلسع وجهي وأوراقي حولي ورقبتي متيبسة، نظرت إلى أنحاء الغرفة فأيقنت بأن ذلك لم يكن سوى حلمًا عابراً، والمرأة لم تكن إلا ذاكرتي المنهكة التي لطالما حاولت جاهدًا أن أصبَّ جلّ معانتها في أحضان الورق ليشتعل فتيل الألم مع كل حرف يدميه قلمي ويلتهم ثناياها دون رحمة منه أو شفقة، إلى أن احترقت ألمًا وأضحت رمادًا بعدما أعياني الأرق وأرقني السهاد..

 رابط القصة على موقع جوّك
ذاكرة من ورق

author-img

سهير محمد خير المصطفى

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    الاسمبريد إلكترونيرسالة