JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
الصفحة الرئيسية

حكاية ألم سورية ٥

ذات مساء صيفي شديد الحرارة توالت الانفجارات في مداخل المدينة، لتعلن عن حرب جديدة تقودها داعش ضد قوات النظام، ولكنهم في المعنى الحقيقي كانوا ضد أهالي المنطقة متسترين بالدين الذي لا يفقهون منه شيئًا، لن أطيل الحديث عنهم فهذا ليس هدفي..
في الانفجار الأول اهتزت الأرض من تحتنا، لحظاتٍ لم أستوعب ما حدث ولم يتسنَّ لي أن أنهض إلا وقد وقع الانفجار الثاني والذي كان يبعد عن بيتي حوالي 200 متر. شعرت وكأن الدنيا دارت حولي, فالجدران اهتزت، وتطاير زجاج النوافذ وتناثرت أشياء كثيرة وسقطت من مكانها، والغبار قد ملأ المكان, ماذا حدث؟ صرخت يا لله.. ابنتاي ركضتا بلا اتجاه مرعوبتين، عندما رأيتهما بخير ولم يمسهما أذى حاولت ضبط نفسي لنتمكن من الخروج إلى الجيران نستأنس بهم ونعرف ما يدور حولنا من أحداث.
   ارتديت عباءتي وحملت حقيبتي وأمسكت بيد ابنتي لأنزل بهم الى الشارع، استغربت من ابنتي الصغرى التي صرخت وقالت أريد أن أرتدي شيئًا طويلاً يغطي يديّ وقدميّ، لأن داعش ستذبحنا إن لم نكن متسترين. لا أعرف من أين جاءها هذا التفكير ولا من حدثها عن داعش ولم أدرك مثلها أن ما يحدث فعلاً سببه داعش أم غيرها.
ناولتها جاكيتًا لكي تخفف من روعها ونزلت بهما الى أسفل البناية و كان الجيران كلهم يرقبون ما يحدث والغبار يملأ الشارع، و ما إن وصلت أسفل الدرج إلا وحدث الانفجار الثالث والأعنف وأصوات التكبيرات قد علت. بكيت لأني لم استوعب ما يحدث، ولا أعلم ما أفعل. حضنت ابنتي اللتين بكتا بصوت عال أيضاً وجلست بهما تحت الدرج.
حدث الذي كنت أخشاه ولا أتمناه ، ذلك الأمان لم يدم طويلاً، وسنبدأ برحلة نزوح جديدة، كانت هي الثالثة لي مع طفلتي.
بكاء الأطفال والنساء وأصوات الرجال، وتلك المعمعة التي لاتزال ترن في ذاكرتي حتى اللحظة، أحدهم كان يقول لابنته لا تبكِ تحررنا يا بابا تحررنا. تحررنا؟!!..قلت في نفسي بل تدمرنا ولا نعرف ماذا ينتظرنا، فلن تهدأ الحرب حتى تخلو المدينة من الجميع سيموت من يموت، وسيهرب من كُتب له طول العمر.
ستتحررالمدينة من ساكنيها، هذا هو المعنى الحقيقي لما سيحدث، فلقد اعتدنا دائماً بأن كل حرب خاسرة، يسيطر المهاجم بضعة أيام ليضطر للانسحاب من شدة الغارات الجوية التي تستخدم فيها قوات النظام بالتحالف مع الطيران الروسي أعتى أنواع الأسلحة، إذ يتبعون سياسة الأرض المحروقة ليعيدوا سيطرتهم على المكان، ولا يهم ما ستؤول إليه النتائج من قتلى ودمار، ووحدهم السكان الآمنين من سيدفع الثمن.
   دخلنا إلى الشقة في الطابق الأرضي نحن ومجموعة من النساء والأطفال وكان المساء قد حل، في حين أن أصوات رصاص الاشتباكات كانت تئزّ كزخّ المطر. أخبرنا أحد الشباب بأن تنظيم داعش اقتحم المدينة واشتبك مع الحواجز وقد ملأوا الشوارع.
حالة من الرعب والحيرة سرت في عروقي، عقلي توقف عن التفكير، لم يكن لدي أي تصور لما سيؤول إليه الحال في نهاية تلك الليلة، وأنا وحيدة مع ابنتي، الجيران من عدة مدن ، وأقرباء أبي يبعدون عنا ولا تواصل بيني وبينهم، حتى صديقاتي بيوتهن بعيدة عن سكني، وفي مثل تلك اللحظات لن يتذكر أحد إلا نفسه وعائلته، فسلمت أمري لله.
   حاولت استجماع نفسي، عقلي، قواي، ذكرت الله كثيراً ليهديني إلى الصواب، حيث أنه لا يمكن البقاء في ظل هذه الاشتباكات.
دقائق تمر كساعات طوال، انتصف الليل وأزيز الرصاص ما زال يعلو ويعلو. غلبني النعاس، أغمضت عينيّ أحلم بالأمان والخلاص وبصوت أمي. أمي! لابد أنها انهارت خوفاً علينا،
احفظنا يا الله بحفظك، ولينتهي هذا الكابوس على خير.
كم تمنيت أن أغفو قليلاً وأستيقظ ويكون ما يحدث مجرد كابوس، أعود لحياتي الطبيعية، لعملي، ولكني استيقظت على صوت الطائرة الحربية التي بدأت ترعد في سماء المدينة، معلنة أن الكابوس سأعيشه حقيقة بكامل وعيي. يا إلهي إنها تقترب، صوتها يصم الآذان، صوت صاعق صارخ ينبئ بنزول صاروخ. تجمعت على نفسي ووضعت يدي على أذني، التصقت ابنتاي بي، وتكور جميع من في الصالة على أنفسهم، ليدوي انفجار ضخم غير بعيد. وتتالت الغارات لأكثر من ثلاث ساعات، قررنا جميعاً أن نجمع بعض الأشياء الخاصة من منازلنا، ونخرج مع طلوع الفجر خارج المنطقة.
سكون مخيف قد هبط على المدينة مع طلوع الفجر، لا ندري ما الذي يجري في الخارج ولا كيف سيكون الصباح، التمسنا بعض البطاريات لنضيء المكان قليلاً ثم تجهزنا لصلاة الفجر، صلينا وخرجنا جميعاً إلى الشارع.
كنت مضطرة لأن أبقى مع الجيران وأن أرافقهم أينما ذهبوا حتى ولو قرروا الذهاب إلى خارج المدينة، معهم ألتمس قليلاً من الشجاعة التي فقدتها بعضهن. احداهن تنادي زوجها ليحضر لنا سيارة تقلنا إلى المحطة القريبة حيث أقيمت بعض الخيم لإيواء الناس بعيداً عن مضارب النيران، فأغلب السكان ستكون المحطة وجهتهم.
في الحرب لن تجد سيارة تستطيع استئجارها، من كانت لديه فهو محظوظ سيخرج بعائلته فوراً، أما الآخرون ونحن منهم ليس لدينا خيار آخر إلا أن نذهب إلى أحد الملاجئ القريبة قبل بدء الغارات من جديد.
توجهنا إلى مركز المدينة. جميع الملاجئ قد امتلأت تقريباً. لم يكن أمامنا سوى الطابق السفلي لمركز تجاري مؤلف من ثلاث طوابق وقد امتلأ هو الآخر ولا يوجد فيه موضع قدم.
تدبرنا أماكن ضيقة وحشرنا أنفسنا بجانب الآخرين، تفقدت شبكة الهاتف، أجريت اتصالاً مع زوجي أخبرته بوجودي في المركز بعدها انتهى شحن الهاتف لينقطع تواصلي مع الخارج. بعد دقائق معدودة بدأت الغارات الجوية الكثيفة تنهال علينا بمختلف أنواع الصواريخ والبراميل شديدة الانفجار، مع كل غارة كنت أتيقن بأننا لن نعيش بعدها، مع كل انفجار أضع أصابعي في أذني وأصرخ بأعلى صوتي حتى ينقطع نفسي، أشعر بتمزق أعصابي المشدودة وأسمع ضربات قلبي الذي بات ينبض في كل خلايا جسدي، الغبار يملأ القبو بكثافة، ضغط الانفجار يسحب هواء المكان لتتكسر الأبواب البلورية فوق رؤوسنا، نلتصق ببعضنا البعض لنصبح كتلة بشرية معجونة بالدموع والخوف والصراخ والنحيب والتضرع، لولا لطف الله لكنا كتلة من لحم ممزق.
ابنتي الصغيرة كانت تنام أم تفقد الوعي لا أعلم، والثانية كانت متجمدة بجانبي لا تنطق بأية كلمة، أخبئ رأسيهما في حضني إلى أن تنتهي الغارة، أتفقدهما وأغسل وجهيهما بالماء وأخبرهما بأنه لم يحدث أي شيء, وسنخرج قريباً.
   استمر الحال هكذا لعدة ساعات، رأيت فيهن الموت بجميع ألوانه، قررت الخروج والعودة إلى المنزل، ضرب من الجنون أو غيره -لا أدري- لكنني لم أعد أحتمل البقاء، ليس خوفاً من الموت ولكن كيلا أموت ولا يجد أحد جثتي بين الألف المتواجدين معنا في القبو.
استجابت لي إحداهن وقررت العودة معي، خرجنا من القبو في لحظة هدوء قلق. الدواعش كانوا يتربصون في الخارج، أمرونا بتغطية وجوهنا كي لا نفتن أحد، وهل في حالة الحرب والقصف وقتٌ لأن ينظر الرجال إلينا أو أن يفتتنوا؟
الدمار قد حل بكل الأبنية المجاورة، حتى المركز الذي كنا فيه لم يسلم أبداً فلقد تعرض لصاروخ اخترق الطابق العلوي وبات منظره يوحي بالانهيار.
لم نستجب لحديث الدواعش وتوجهنا مسرعين من الطرقات الفرعية، الطيران كان قد عاد والمدافع تدك الحارات وأعمدة الدخان المتصاعد في كل مكان، كنت أركض وأقع وأنهض وأركض ممسكة بيد طفلتي. الشمس حارقة والشوارع خالية إلا من بقايا الرصاص والصواريخ، ومن حمامة خائفة ترتجف إلى الحائط الذي وقفنا بجانبه قليلاً إلى أن تبتعد الطائرة.
وصلنا إلى الحارة ودخلنا إلى منزل جارتنا، تنفسنا الصعداء لوصولنا بخير.

من كتاب حقيبة سفر
سهير المصطفى.

#يتبع

author-img

سهير محمد خير المصطفى

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    الاسمبريد إلكترونيرسالة