JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
الصفحة الرئيسية

الحب المشوه/ قيد الحواس الكاتبة سهير المصطفى

الحب المشوه

أنا التي طلبت من الحياة أن تهبني أجمل ما فيها فوهبتني حبك.
طلبت من حبك أن يهبني أصدق ما عنده وهبني الفراق..
فراقك الحقيقة الوحيدة الصادقة في قصتنا.
والأبدية كذبتنا التي أمليناها على بعضنا وزيّنا بها جديلة الليل الشاهد علينا.
لو أننا سمعنا صمت أعيننا العاشقة لاكتفينا به عن كل الأحاديث التي اختلسناها عنوة من بين زحام الساعات الممتلئة بكل شيء عداي.
حتامَ إذن أهرول في دولاب انتظارك كفأر أحمق، وأبذل قصارى جهدي لأصل إليك حتى أسقط مغشيًا علي وأنا لم أبرح مكاني.
لو أنني زرعت في طريقي كل زهور البنفسج لاستدليت طريق العودة منك، وفاح بعطر الليلك لانعاش قلبي المتوقف عن النبض، ما كنت وصلت امرأةً جثة، تمارس الحياة ببقايا جلدها المهترئ وشعرها المحترق وعيناها التي وضعت مكانهن أحجارًا كريمة.
لا أخفي عليك..
حبك كان كافيًا لإحياءي دهرًا، لا أرجو بعده أي حياة، ولا أي حلم.
حبك أرجوحتي التي علقتها على شجرة الخلود، ثملتني سعادة التأرجح حد الهذيان دون أن أخشى السقوط في هاوية الحقيقة. صحوت على صوت ارتطام عظامي بصخور الواقع وفجيعة أنك لم تكن يومًا لي.
امنحني قلبك للحظات لترى كيف أقضمه بأسناني وأبتلعه لينغرس في أحشائي ولا يخرج منها سوى طفل يشبهك يحمل دمك ودمي.
أتذكر حينما طلبتَ أن أغرس دبوسًا في إبهامي لتتساقط قطرات دمي على جرحك المفتوح في كفك، قلت لي حينها لتسيري في عروقي أبدًا، خشيت عليك من جنونك وأبيت أن يتلوث جسدك.
ليتني وضعت شفتي على فم جرحك الشهي وامتلأت بك حد الشبع، لتسير أنت في شراييني حقيقةً غير قابلة للزوال.
قلت لك حينها، دمي حبرٌ أزرق لا ينزف إلا على الورق، وسيكتب لك طوال العمر روايات أنت بطلها وأشعار حبٍ أنت عنترها وقصص عالمية أنت اسطورتها.
لكنك ما لبث أن وضعتَ دبوس فراقك في عيني لأرى بوضوح حقيقتك.
نزفتُ حبرًا دون شعور على أوراق الرزنامة المعلقة على جدران بيتنا العتيق، تقلب صفحاتها ورقة ورقة تقرأ الحكم المكتوبة خلفها دون أن تأبه لمرور الأيام.
وبكى العاصي قصتنا، يروي للعابرين كيف نفتنا بلادنا ونهشت الغربة من لحمنا الطري وجعلت منا طعامًا لأسماك القرش في المحيطات.
ألهذا بات الحب رخيصًا يباع على الحدود مثل تذكرة مرور تدسها النساء في جيوب الرجال ليعبرن إلى حياة أكثر ترفًا؟
ألهذا الحد بتنا في زمن الخديعة، نمارس الحب من خلف الشاشات كطقسٍ يومي، ككلمة صباح الخير لمذيع نشرة الأخبار؟
هل تلوثت كلمة أحبك في الحانات والملاهي حتى بات قائلها مشتبهًا به ينوي من ورائها التسلية والمجون؟
لماذا شوهنا الحب كما شوهت بلادنا الحرب، وجعلنا منه منفيًا في بلاد مزيفة، يبكي غربته عن قلوب الصادقين، ويحن لمأواه في أفئدة المخلصين، ويفتقد للمأوى في أكف المحسنين..
الحب الصادق إحسانٌ، وما أحوجنا له في زمننا هذا الذي بات فيه كل شيء مزيفًا حتى لغتنا، ارتدينا أقنعة لا تشبهنا ليألفنا الناس، و سرنا في طريق لا نعرف وجهته ولا إلى أين يقودنا وما هي نهايتنا، جعلنا من الفرح مسحوق تجميل نخفي فيه الحزن الكامن في أعيننا.
علامَ نفرح؟ بعد أن بات الضحك شؤمًا نتعوذ به من فجيعة محتملة كلما زارنا خلسةً ونسينا أنفسنا تحت سطوته.
يا سيد قلبي، كانت كلماتك أفيون أيامي التي أحقنها في عروقي، فتنسيني الغربة والحزن والألم.
كان حبك أجمل ما في الحياة وأصدق ما فيها فراقك...
 

من كتاب قيد الحواس


author-img

سهير محمد خير المصطفى

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    الاسمبريد إلكترونيرسالة