JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
الصفحة الرئيسية

التاجر والحكيم

التاجر والحكيم
   في إحدى السنوات جارَ الزمانُ على أهالي قرية عندما حلّ القحطُ بها، الجوعُ كانَ الحاضر في بطونِ الفقراءِ ونداءاتِ الاستغاثةِ لا تجدي نفعاً، فمن يملكُ بضعَ دراهمَ كانَ يُخفيها عن العيونِ, ويُمسكُ يدهُ عن مساعدةِ غيرهِ خشيةَ الفقر، فالأسواقُ كسدتْ وصلواتُ الاستسقاءِ تضجُّ بها المساجدُ, علّ السماءُ تجودُ لهم بأمرِ الله فيغاثوا ويستبشروا ويزرعوا. ولكنْ لا غيثَ ولا أمل حتى عادَ إلى القريةِ رجلٌ غنيّ كانَ في تجارةٍ لهُ في بلاد الشامِ فوجدَ الحالَ غيرَ الحالِ الذي تركَ عليهِ القرية فوجدها فرصةً للظهورِ ولنيلِ مكانةٍ مرموقةٍ بينَ الجميعِ إذ هو جادَ بمالهِ عليهم وساعدهم فقال لنفسهِ:
- ليتَ شعري لن أبيتنَّ ليلةً إلا والقرية كلّها تحت أمري، فلديّ من المالِ الكثيرِ وجئتُ بحمولةِ من أكياسِ القمحِ لو وزعتها عليهم ستكفيهم وتفيض، لكن قبلَ ذلك لنْ أوزعها قبلَ أنْ أكسبَ لنفسي سمعةً يتحدث بها كل أهل المنطقة بمن فيهم سكان القرى المجاورة.
في صباحِ اليومِ التالي خرج التاجر في جولةٍ في القريةِ، فتقدّمَ نحوهُ بضعُ رجالٍ يسلمونَ عليهِ فنحّاهُ جانباً أحدهم وهمسَ لهُ بأنّهُ يريدُ بضعَ دراهمَ ديناً يفكُّ بها ضائقتهُ، فضحكَ التاجرُ وقالَ بصوتٍ مرتفع:
- أيُّ دينٍ يا رجل، خذْ هذهِ عشرُ دراهمَ لكَ ولا أريدُ أنْ تُعيدها لي.
شعرَ الرجلُ بالإحراجِ أمامَ باقي الرّجالِ وهو يتناولُ الدّراهمَ على استحياءٍ منه وممن حوله.
تابع التاجرُ مسيرهُ وهو يختالُ فخوراً بنفسهِ معتزاً بإقبالِ الناسِ عليهِ وكانَ كلّما طلبَ منهُ أحدهم دراهماً كان يعطيهِ وهو يحدثه بصوتٍ عالٍ ليسمعَ أهالي القريةِ.
- خذْ يا أبا فلان هذه مني لكَ حلالاً لا أريدُ منك سداداً.
ظناً منهُ بأنهُ يرسمُ لنفسهِ صورةً جميلةً أمامَ سكانِ القريةِ ويتباهى بأنّهُ يقومُ بعملِ الخير.
ولم يتوقفْ حبّه في الظهورِ في قريتهِ بل طمعَ أن يسمع بهِ أهالي القرى المجاورة وأن ينتشر صيتهُ بأنه كريمٌ معطاءٌ يُعطي دون مقابل، فأمر الغلام الذي يعملُ عندهُ بأنْ يذهبَ إلى القرى المجاورة ويحدّث الناسَ عنهُ وعن كرمهِ.
ذهبَ الغلام بناءً على طلبِ التاجر إلى إحدى القرى وبدأ يحدّثُ هذا وذاكَ عن معلمهِ وعن كرمهِ وعن نيته في التبرعِ بأكياس القمحِ التي جاءَ بها من بلادِ الشام، حتى سمعَ بهِ أحدُ الحكماءِ فقررَ أنْ يتقصى الخبرَ، فقصدَ القريةَ وسأل عن التاجرِ، فكانَ ما قيلَ عنهُ صحيحٌ بأنّهُ جوادٌ كريمٌ لكنَّ بعضَ الرجالِ قد ذاقوا بهِ ذرعاً بسبب تصرفاتهِ وإعلانهِ عن مساعدتهم أمامَ القريةِ بأكملها وهذا ما سبب الإحراج لهم.
ذهبَ الحكيمُ إلى بيتِ التّاجرِ فاستقبلهُ بحفاوةٍ وضيافةٍ لا مثيلَ لها وسألهُ عمّا بإمكانهِ القيامَ بهِ لمساعدةِ الفقراءِ وما الذي يستطيعُ أنْ يجودَ بهِ أيضاً.
فقال لهُ التّاجر: لديّ حمولةٌ من أكياس القمحِ تكفي كلّ أهالي القريةِ، لكنّي لم أقمْ بتوزيعها بعدْ.
فقالَ لهُ الحكيم: ما رأيكَ أن تجمعَ القمحَ كلُّهُ في مكانٍ واحدٍ والمحتاجُ يأتي ويأخذ حاجتهُ منهُ.
اعترضَ التّاجرُ وقال: لكن أنا كنتُ سأوزعها بنفسي عليهم.
فكرَ الحكيمُ لبرهةٍ وأرادَ أن يلقن التاجرَ درساً بسبب تباهيه بالصدقة، فقال لهُ: لكَ ما شئت.
ردّ عليهِ التاجرُ فَرِحاً: سأضع القمحَ كلّهُ في مستودعِ القريةِ وسأبدأ بالتوزيعِ غداً صباحاً.
وافقهُ الحكيمُ وهو يسرُّ في نفسهِ خطةً، بينما التاجر سعيدٌ بما سيقومُ بهِ مزهوٌّ بنفسهِ بأنّ نجمهُ سيلمع وسيتحدثُ عنهُ القاصي والداني وسيخلّدُ اسمهُ التاريخ.
جُمعت أكياسُ القمحِ في مستودعِ القريةِ وانتظرَ التاجر الصباحَ بحماسٍ وفي تلكَ الأثناءِ قامَ الحكيمُ بالاتفاق مع بعضِ الرّجالِ بتوزيعِ القمحِ على كلّ البيوتِ في القريةِ دون أن يكشفوا عن أنفسهم ولا عن هويةِ المتصدق.
استيقظ السكانُ فرحينَ بما آتاهمُ اللهُ، واستيقظَ التاجرُ بحماسٍ ليومهِ العظيم، ارتدى أجملَ الملابسَ وخرجَ بصحبةِ الغلامِ إلى المستودعِ فوجدَ أبوابهُ مفتوحةً وفارغاً والحكيمُ يقفُ عندهُ، فأصيبَ التاجرُ بالهلعِ وسألَ الحكيمَ عن القمحِ وما حلَّ بهِ وأينَ اختفى.
كان الحكيم قد تعمد ترك حباتٍ من القمح منثورةٍ على الأرض حيثُ بدأ النملُ بسحبها إلى مساكنها.
فقال له الحكيم: استيقظتُ باكراً وجئتُ إلى هنا لانتظرك حتى نقوم بتوزيعِ القمحِ لكني وجدتّهُ على هذهِ الحال.
- وما العمل؟ ومن قامَ بذلك؟ وهل تمّت سرقتي، هل هذا ردُّ الجميلِ الذي قمتُ بهِ مع أهلِ القريةِ بأن سرقوني؟
فقاطعهُ الحكيمُ قائلاً:
- ما بك، كلُّ سكانِ القريةِ كانوا في سباتهم ولا علمَ لهم بالقمحِ، لكن أعتقد بأنّكَ قد أذعتَ خبرهُ في القرى المجاورة, فعلم بهِ قطاعُ الطرقِ واللصوصِ وقاموا بسرقته.
لطم التاجر على وجهه ورأسهِ، وجثا على الأرض خائباً.
فقال لهُ الحكيم: هذا ما صنعت يداك وهذه صدقتك التي كنت تتباهى بها أمام الملأ، وأردتَ أن يُذاعَ خبركَ في كلِّ القرى فيذهبُ أجرُ عملكَ هباءً منثوراً، ومهما بلغَ حجمُ عطائكَ فإنّهُ سيذهبُ أدراجَ الرياحِ بلا أجرٍ وأنت بالمقابل كنتَ تبحثُ عن السمعةِ والصيت ليس إلا.
علَّ هذهِ النملات تسمعُ حديثنا وتعلم بأنك صاحبُ القمحِ فترتفع مكانتك عندها.
طأطأ التاجر رأسهُ خجلاً وهو لا يعلم ما سيقوله.
تابع الحكيم كلامهُ : انظر إلى النملِ فهو لا يعلم بأنّك صاحبُ القمح، لكنّه يشكرُ اللهَ فقط واللهُ جلَّ جلالهُ بدورهِ سيجازيك بأعظم أجر سواءً في الدنيا أو الآخرة، وأنت كنت تحرمُ نفسكَ من الأجرِ بقول الناس عنك بأنك كريمٌ، فتأخذ جزاءك في الدنيا دون الآخرة.
ثم أخبره بأنه قام بتوزيع القمح على السكانِ ليلاً دون إخبارهم بصاحبه وبذلك تعلّم التاجر درساً لن ينساه.





author-img

سهير محمد خير المصطفى

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    الاسمبريد إلكترونيرسالة